السبت, 02.28.2026, 1:47 AM
أهلاً بك ضيف | RSS

الوحدة الإسلامية الجهادية

حتى نجمع الكلمة - منتدى

[ رسائل جديدة · المشاركين · قواعد المنتدى · بحث · RSS ]
  • صفحة 1 من%
  • 1
حتى نجمع الكلمة
عزامالتاريخ: الإثنين, 03.21.2011, 10:34 PM | رسالة # 1
مجاهد
مجموعة: المدراء
رسائل: 14
سمعة: 0
حالة: Offline
بسم الله الرحمن الرحيم

الرسالةُ الثانِية:
(فِيما أَغْفَلَهُ الناسُ مِنْ أسبابِ جَمْعِ الكَلِمَةِ).

كتبها : أبو الوليد الغزي

الحمدُ للهِ؛ وبعد:
فلا يَكادُ يَخْفَى عَلَى أحدٍ مِنَ المُسْلِمينَ ما أمَرَ اللهُ تعالَى بهِ من الاجْتِماعِ وما نَهَى عنهُ مِنَ الفُرْقَةِ والخِلاف، فَلَو قالَ قائلٌ إن ذلكَ من المَعْلُومِ من الدينِ بالضرُورَةِ لما كانَ فِي مَعْزِلٍ عن الصوابِ إن شاءَ الله.
ألا وإنَّ منَ الدعْوَةِ إلى جَمْعِ الكَلِمَةِ ما هُوَ أحَقُّ باسْمِ التفْريقِ والشقَاقِ مِنْهُ باسْمِ التوحِيدِ والجَمْعِ، وإنْ قالَ الداعُونَ إلَيْهِ غَيرَ ذلك؛ فإنَّ الأمُورَ بالحَقائِقِ لا بالأَسْماءِ وحدها.
أما الفَقِيرُ إلى اللهِ تَعالَى كاتِبُ هذهِ الكَلِماتِ فإنَّهُ لمْ يَقَعْ لهُ في يَوْمٍ مِنَ الأيامِ أن انْتَسَبَ إلى طائِفَةٍ أو حِزْبٍ أو فِرْقَةٍ أو جَماعَةٍ صَغِيرَةً كانَتْ أو كَبِيرَةً سِوَى جَماعَةِ أُمَّةِ الإسلامِ التي يَنْتَسِبُ إلَيْها كلُّ مَنْ آمَنَ باللهِ رَباً وبالإسلامِ ديناً وبِمُحَمَّدٍ صلى اللهُ علَيْهِ وسلمَ نَبِياً ورَسولا؛ وللهِ الحمد؛ عَلى أنهُ بِحَمْدِ اللهِ سَلَفِيٌّ يَفَخَرُ بالانْتِسابِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأمَّةِ مِنْ أصحابِ النبيِّ صلى الله عَليهِ وسلمَ والتابِعِينَ لَهُمْ بإحسانٍ عَقِيدَةً ومِنْهاجاً وفِقْهاً وسُلُوكاً، وكانَ فضلُ اللهِ عَليهِ عَظيما.
وإنما نَزِنُ الناسَ بِمِيزانِ العِلْمِ والفَهْمِ عن اللهِ وعن رَسُولِهِ صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ؛ دُونَ المَوازِينِ المُحْدَثَةِ المُصْطَنَعَةِ التي تَتَفاوَتُ فيها الأنْظارُ وتَخْتَلِفُ حَولَها العقُولُ؛ وبَيْنَها وبَيْنَ ما أمَرَ اللهُ بهِ من القِسْطِ والعَدْلِ بَوْنٌ بعيد.
فَرُبَّ رَجُلٍ خَامِلِ الذكرِ لا يُؤْبَهُ لهُ كانَ أحَبَّ إلَيْنا مَمّنْ طارَ بَينَ الناسِ ذكْرُهُ وشاعَ فيهِمْ خَبَرُهُ لأنَّهُ قُدِّرَتْ لهُ من أسبابِ التَعْريفِ بهِ ما لَمْ يَقَعْ للأولِ مُدٌّ مِنْهُ ولا نَصِيفُه!، وربَّّ رَجُلٍ جَرى ذكْرُهُ علَى كلّ لسانٍ نِعْمَةً من الله وفَضْلاً فَقامَ بِحَق اللهِ تعالَى أمْراً بالمَعْرُوفِ ونَهْياً عن المُنْكرِ وجِهاداً فِي سَبيلِ اللهِ تَعالَى فَكانَ هُوَ ومَنْ نَصَرَهُ عَلَى هذا أحبَّ إلينا مِنْ أضْعافِ أضْعافِهِمْ من القاعِدين؛ لِما يَقُومُ بِهِ لا لِشُهْرَتِهِ بَينَ الناس.
وإنما كَتَبْتُ هذا مُعْتَرِضاً بِهِ ما سُقْتُ الحدَيثَ لأجْلِهِ أنْ يَتَقَوَّلَ مُتَقَوِّلٌ فَيَنْسِبَ إليَّ ما لَمْ أَقُلْهُ ولا عَهْدَ لي به، فإننا صِرْناَ إلى زَمانٍ أضْحَتْ أعْراضُ المُسْلِمينَ فيهِ مِنْ أبْخَسِ الأشْياء ثَمَنا!؛ مَعَ أنَّها مِن أَنْفَسِها وأغْلاها عِندَ مَليكِها سبحانه، فَلََنْ يَفْرَحَ بِحديثِي هذا فَريقانِ من الناس: لا مَنْ رَكِبَ مَرْكَبَ العَصَبِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ والحَمِيَّةِ لطائِفَتِهِ وجَمْعِهِ ورامَ مِنِّي مُوافَقَةَ هَواهُ!، ولا مَنْ يَتِّخِذُ كَلامِي دَخَلاً وضِراراً بأنصارِ اللهِ من المُجاهِدينَ في سَبيلِهِ وإرصاداً لِمَنْ حارَبَهُم، فَلَسْتُ بِحَمْدِ اللهِ هنالكَ؛ ولَستُ أُنْعِمُ بِها أحداً من الفَريقَيْنِ عَيْنا، وإنما يَنْتَفِعُ بكلامِي إن شاءَ اللهُ منْ خَلَعَ عَنْهُ رِداءَ الهَوى؛ ونَبَذَ حظَّ النفْسِ وراءَهُ ظِهْرِيّا؛ واسْتَبانَ لَهُ الفَرْقُ بَينِ جَمْعِ الناسِ على ما أَمَرَ اللهُ بِهِ مِنَ أنواعِ الطاعاتِ والقُرُباتِ ومِنْ ذلكَ الجِهادُ في سَبيلِهِ؛ وبَيْنَ جَمْعِهمْ عَلَى الوَلاءِ لِحِزْبٍ أو طائِفَةٍ أو تَنْظِيمٍ أو مَذْهَبٍ أو شَيْخٍ يُحِبُّونَ لهُ ويَكْرَهُونَ لهُ؛ ويُوالُونَ عَلَيْهِ ويُعادُونَ عَلَيْهِ!، فِتِلْكَ آفَةٌ فَشَتْ فِي الخَلْقِ فُشُوَّ الطاعُونِ!؛ غَيْرَ أنّ تَمَكُّنَها مِنَ الناسِ مِنَ عَلَى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ لا أجدُ الآنَ فُسْحَةً للحَديثِ عَنْها؛ بلْ أعْقِدُ لها فَصْلاً آخَرَ إن شاءَ الله.
وَأَوْلَى الناسِ بالتَنْبِيهِ عَلَى ما عُقِدَ الفَصْلُ لأجْلِهِ همُ المُجاهِدُونَ في سبيلِ اللهِ، وهُمْ أحقُّ الناسِ بِتَمْحِيضِ النُّصْحِ؛ وصادِقِ الوُدِّ، فإنهم بعدَ اللهِ تعالَى مَعْقِلُ الإسلامِ وحِرْزُهُ وحِصْنُهُ؛ والذابُّونَ عَنْهُ الذائِدُونَ عنْ حِماهُ، وإن كانَ النصْحُ مَبْذولا لأهْلِ الإسلامِ كافَّةً كما ثَبَتَ عنِ رَسُولِ اللهِ صَلَواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه، وليسَ يُؤتِي النُصْحُ ثِمارَهُ إلا إذا سلِمَ من شَوائبِ المُحاماةِ وأوْضارِ المُحاباةِ؛ فَتَكُونَ إذَنْ من القَولِ السديدِ الذي أُمِرْنا بِهِ؛ والذي يُثْمِرُ الصلاحَ في العَمَل، إذ صَلاحُ الأعْمالِ فَرعٌ عن صَلاحِ الأقْولِ؛ كما دلَّ عَلَيهِ قَولُهُ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ..}.
وأحبُّ كان اللهُ لي ولكَ أن أُنَبِّهَكَ علَى أَمْرٍ مُهِمٍّ فَلْيَكُنْ مِنْكَ بالمَحَلِّ الذي يَلِيقُ به؛ وهوَ أنني رأَيْتُ الناسَ قَدْ أَحْدثُوا نَوْعاً خَطِراً من الفِصامِ بَينَ فِئاتِ المُسْلِمِينَ!؛ مِنْهُ بلْ مِنْ أظْهَرِهِ وأخْطَرِهِ اسْتِشْعارُ الفِصامِ بَينَ الأُمةِ المُسْلمةِ وأبْنائِها مِن المُجاهِدينَ؛ وهوَ فِصامٌ وإن كانَ يَرْجِعُ إلى كَثيرٍ من الأسبابِ إلا أنّ مِنْ أَعْظَمِها إنْ لَمْ يَكُنْ أعْظَمَها على الإطْلاقِ تَصَدُّرَ الجَهَلَةِ مِن الفَريقَيْنِ (المجاهدينَ وغيرِهم) للمُراجَعَةِ والمُناظَرَة، وما أحْسَنَ ما قِيلَ قَديماً: لَوْ سَكَتَ مَنْ لا يُحْسِنُ وتَكَلمَ من يُحْسِنُ لانْتَهى كَثِيرٌ من الخِلاف.
ولِذا فأنا أكْرَهُ أنْ أُحْسَبَ على أحدِ الفِريقَينَ حِسابَ عَصَبِيِّةٍ جاهِلِيَّةٍ، وأعْمِدُ دائماً إلى خِطابٍ يَلُمُّ الشعَثَ ويَجْمَعُ ما تَفَرَّقَ، وما أكْتُبُهُ فإنما أريدُ بهِ أهْلَ الإسلامِ كافَّةً مَنْ كانُوا وحَيْثُما كانُوا؛ ولا تَعارُضَ بَينَ هذا وبينَ ما أمَرَ اللهُ تعالى بهِ مِنْ بَيانِ الحقِّ للناسِ بِدَليلِهِ الذي جاءَ بِهِ الوحيانِ.
فَحَديثُنا عَنِ المُجاهِدينَ وللمُجاهِدينَ حَديثٌ لأمَّةِ المُسلمِين، بل الأمَّةُ المُسْلِمَةُ أمةُ جِهادٍ أو هكذا يَنْبَغِي أن تَكُون، والُمجاهِدُونَ همْ دِرْعُها الحَصينُ وهمْ أبناؤُها ومِنْ رحِمِها الولُودِ خَرَجُو؛ وما يُنْسَبُ إليْهِمْ مِنْ فَضْلٍ فهوَ راجِعٌ إليها أولاً وآخِرا، وكذلكَ ما يَضافُ إلَيْهِمْ مِنْ قُصُورٍ فَإلَيْها وعَلَيْها؛ وذلكَ مِرْآتُها!؛ فَمَنْ نَظَرَ فِي المِرْآةِ فرأى ما لا يَسُرُّهُ فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ!.
وأعُودُ إلى أصْلَ ما عَقَدْنا البابَ لإجْلِهِ فَأُشيرُ أَوّلاً إلى دقيقةٍ مُهمةٍ من الأمر؛ وهي: إن الأخطاءَ في سياسَةِ الناسِ ليستْ من قبيلِ خطأ الواحدِ في عبادتِهِ؛ إذ أثرُ الخطأ هنا قاصرٌ على المُخْطِئِ وحدَه؛ وليس كذلك في سياسةِ الناس والأمم؛ بل الخطأ هنا متعدٍّ إلى المجموعِ؛ يقعُ فيهم أثرُه ولا بدَّ؛ سواءٌ كان المخطئُ حسنَ النيةِ أم لا؛ كانَ قاصداً إلى الخطأ أم لا؛ كان عالما بترتَُّبِ تلك الآثارِ عليه أم لا!؛ فهو كمن بنى البناءَ على أساسٍ ضعيفٍ أو فاسد؛ فإنه لا يَمْنَعُ سقوطهُ جهلُ القائمِ به ولا سلامَةُ قصْدِهِ!.
وأنبه ثالثا إلى أمْرِ مُهم آمُلُ أن يجدَ أذنا واعية؛ وهوَ أن المرحلةَ التي نمرُّ بِها اليومَ تَخْتَلف عن بقيةِ المراحلِ التي مرتْ بها الأمةُ الإسلاميةُ عموماً والحركاتُ الإصلاحيةُ خُصُوصاً منْ قبل؛ فإن دائرةَ المعركةِ قد اتسعتْ؛ وأجلبَ العدوُّ بكل ما يملكُ من العقولِ والأفكارِ والوسَائل والرجالِ على اختلافِ نِحَلِهِمْ ومِلَلِهم؛ حتى ليُخيَّلَ للناظرِ أنه لم يَكُنْ بين تلكَ الأممِ خلافٌ في يومٍ من الأيام!؛ مع أن تاريخَهُم وإلى عهدٍ قريب يعجُ بالتنافرِ والقتالِ والحروب!!؛ ويلزمُنا على هذا لزوماً حتمياً لا انفكاكَ عنه أن نُقابلَ سعيَ العدو واجتماعَهُ ورُقِيَّه في التخطيطِ والإعداد والتنفيذِ والاستفادَةِ من نتَائجِ العقولِ وثِمَارِ الأفكارِ والانتفاعِ بِمواضعِ التِقاءِ الجهودِ بمثلِهِ؛ حتى تكونَ أعمالُناَ كالعدَسَةِ اللامة التي تجمعُ الضوءَ فتحرقُ الخرافاتِ والشركَ والأوهام.
وتَفْريعاً على مَضى فإنَّ التصدرَ لقِيادَةِ الأمَّةِ والدعْوَةِ إلى الله في هذه المرحلةِ بِمثلِ الطريقةِ التي قيدتْ بها المرحلةُ السابقةُ وهيَ قيادَةُ الأحزابِ والتنظيمات قصورٌ عظيم؛ ومصادَمَةٌ لسُنَنٍ شرعيةٍ وكونِيةٍ تتخلفُ معها المسيرةُ؛ وتَتَجاوزُها الأمةُ والتاريخ؛ وتكونُ عرضةً لأن يستبدِلهَا الله تعالى بما هو أنفعُ وأبقى ويمكثُ في الأرض.
فنحن بحاجة إلى أن نرتقيَ بعقولنا وتفكيرِنا وسياسَتِنَا للأمةِ ارتقاءً يُناسبُ طبيعةَ المرحلةِ في نفسِ الأمر؛ ويطابقُ الحاجةَ المطلوبةَ مُطابقةً حقيقيةً لا وَهْماً في الأذْهانِ وليستْ كذلكَ في الخارِجِ!؛ وبدون ذلك سنكونُ كمن يديرُ جامعةً عِلْمِيَّةً في المرْحَلَتَيْنِ العالِيَةِ والعالِيَةِ العالَمِيَّةِ بنفسِ الطريقَةِ التي تُدَارُ بِها المدرسةُ الابْتِدَائِيَّةُ!؛ أو كمنْ يَدْعُو إلى داره ألفاً وليستْ تَسَعُ غيرَ عَشْرٍ؛ أو كمن يسعى إلى بناءِ ناطِحَةِ سحابٍ بالوسائل التي يَبْنِي بِها بيتا من طين!؛ فإن كانت النتائجُ على خلافِ ما يحبُّ فلا يلومَنَّ إلا نفسَهُ.
وأضيف ههنا أمراً أَرْجُو أن تَتَّسِعَ له الصدُورُ؛ وهو أنَّ مرحَلَةَ الأحزابِ والتنظيمَاتِ على ما بَذَلَتْهُ من جُهْدٍ فِي إقامَةِ دَعْوَةِ الإسلامِ ؛ قد أَوْرَثَت الكَثِيرينَ فِقْهاً ضَيِّقَ العَطَنِ قَصِيرَ النظَرِ مَحْدُودَ الأُفُقِ؛ منْ نَوْعِ الفِقْهِ الذي وَرَّثَهُ مشايِخُ المُقَلَّدَةِ لأتباعِهم المُتَعَصِّبَةِ؛ يدورُ كلُّه على نَصْرَةِ الشيخِ وآرَائِهِ و التمَحُّلِ للدِّفَاعِ عَنْها مَهْما كانتْ!!؛ معَ أَنَّنَا بحاجةٍ اليَوْمَ خاصَّةً إلى فِقْهٍ يَتَحَرَّرُ من هذهِ القيودِ؛ يَعْتَمِدُ أساسُهُ على كَتابِ اللهِ تعالى وسُنَّةِ رَسولِهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه؛ وَيَنْبَنِي على الانفتاحِ الصحيحِ المَشْرُوعِ على أنواعِ العُلُوم والمعارِفِ التي هِيَ مِنْ أعْظَمِ أسبابِ القوَّةِ التي خَلَقها اللهُ تعالى في الكَوْنِ ؛ وهذا يكونُ وسيلةً لاتساعِ الأنظار؛ و باباً لانْفِسَاحِ مَدارِكِ العُقُولِ!؛ وذلك موصلٌ إلى بلوغِ رُتْبَةِ الاجتهادِ فِي السياسَةِ الشرْعِيَّةِ التي عَلَيْها مَدارُ السعْيِ في التمْكينِ لدينِ اللهِ وشَرْعِه.
إن السعْيَ إلى التَمْكِينِ لَيْسَ بالقِتالِ وحْدَهُ فَحَسْبُ؛ بَلْ إنَّ الدَّوْلَةَ التي تَعْتَمِدُ القُوَّةَ وحْدَها سُرْعانَ ما يَتَقَوَّضُ بِناؤُها؛ لأنَّ الناسَ وإن يَكُونوا أَغْراراً؛ فَهُمْ بطبعِهمْ ذَوُو عِنادٍ، كما يقُولُ عُلَماءُ الاجْتِماعِ ومِنْهُمْ (وِلْ دْيُورانَتْ) في قِصَّةِ الحضارة (1/47)، ولذا احْتِيجَ إلى عِلْمِ سِياسَةِ الأمَمِ وفُنُونِهِ وقَواعِدِهِ، وهذا الذي قالُوهُ كلامٌ صَحيحٌ لا غُبارَ عَليْهِ، ومَنْ تأمَّلَ هَدْيَ النبِيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلمَ وسيرَةَ أصحابِهِ رضيَ اللهُ عنْهمٍ في الفُتُوحِ وسياسَةِ الأمَمِ رآهُ جَلِيَّاً جَلاءَ ذُكاءَ (وذكاء هي الشمسُ) فِي نَهَارِ الصيفِ؛ وقدْ فصلْتُ القولَ في هذا في (سلِّ الحسامِ) تحتَ عُنْوانِ: بَجَبْهَةِ العِيرِ يُفْدَ حافِرُ الفَرس، وفي (أرائكِ الحَكْمَةِ) تحتَ عُنْوانِ: الغايَةُ من الحَياةِ بَينَ مَعاولِ الهدْمِ وعوامِلِ البِناءِ؛ عَلى اخْتِصارٍ فيه، فليَرْجِعْ إليهما مَن طَلَبَ المزيد.
وقدْ تأمّلْتُ أحْوالَ الناسَ في اجْتِماعِهِمْ وتَحَزُّبِهِِمْ عَلَى شَيْخٍ أو مَذهبٍ أو طائِفَةٍ أو جَماعَةٍ أو أمَيرٍ؛ فرأيتُ كُلاًّ منهمْ يعقِدُ الخناصرَ على جُمْلَةٍ منَ المسائلِ يَجْعَلُها له شِعاراً؛ يذبُّ كبارُهم عنه ويُنافِحُونَ دُونَهُ؛ ثُمَّ يَحُولُ المَتْبُوعُ بَيْنَ التابِعِ وبَيْنَ تَلَقِّيهِ عَنِ غَيْرِهِ أو مُخالَطَتِهِ أو الأَخْذِ عَنْهُ!؛ ولا يزالُ الأمرُ بِهم عَلَى هذه الجَدِيلَةِ حتى يُصبَغَ أفرادُ كلِّ فَريقٍ منهمْ بِصِبْغَةٍ واحدَةٍ؛ ويتلَوَّنُونَ بِلَوْنٍ واحِدٍ يُمَيزُهُمْ عمنْ سواهُمْ؛ فلا يقبلُونَ من غَيْرِهِم شيئا؛ ولا يَرْفَعُونَ بِهِمْ رأْساً!؛ فَإذا بِهِمْ يَصيرُونَ إلى ما صارَ إليه متعصبةُ المذاهِبِ قبلَهُمْ: مذهبُنَا صوابٌ يَحْتَمِلُ الخطأَ؛ ومذْهبُ مُخالِفِينا خطأٌ يحتملُ الصوابَ!، على أنّهم فِي ذلك على مراتبَ مختلفةٍ قلَّ فيهمْ ذلك أو كثُر.
وهذه الأسْطُرُ الأخيرَةُ وحْدَها تَحْتاجُ إلى كلامٍ كثير، وإنما ذكرتُها هُنا لأنَبِّهَ على أنَّ مِثْلَ هذه الآفاتِ وَالمفاهِيمِ هِيَ التي أدتْ إلى تَعْمِيقِ جُذُورِ التنازُعِ والاخْتِلافِ؛ وإلى اطِّراحِ الاستفادةِ من جُهودِ الآخَرِين؛ وعَدَمِ الاعْتِدَادِ بِهم وبآرائهم؛ ولَوْ كانُوا أعْلَمَ باللهِ وأتْقَى لهُ مِنْ عَشَراتٍ من الأتْباعِ الذينَ لا يُحْسِنُونَ غَيْرِ تَرْديدِ ما يَسْمَعُونَهُ أو يُقالُ لَهم!.
وههنا أَصلٌ مهمٌّ هُوَ زُبْدَةُ البابِ ومَحْضُ اللبَابِ؛ لَم أَرَ من تَنَبهَ إليهِ ولا نبَّهَ عَلَيْه؛ طالَما رَأَيْتُ إِغْفَالَهُ؛ واشتكَى بسبَبِ إهمالهِ كثيرُونَ؛ ولله الأمرُ منْ قبلُ ومنْ بعدُ.
بيانُهُ: أنْ تَعْلَمَ أنَّ مِن أُصُولِ سِيَاسَةِ الناسِ العملَ على جَمْعِ الكلِمَةِ وتَضافُرِ الجُهُود؛ وذلكَ لا يَتِمُ إلا بِرُكنينِ ثابِتَيْنِ لا غِنَىً للبِناءِ عَنْهما ولا لأحَدِهِما عَلى الآخر:
الأول: سنة دينيةٌ شرعية؛ وهي ما أمرَ الله تعالى به من التراحُمِ والتوادِّ والتآلُفِ بينَ المؤمنين؛ مما لا يَخفى على أحدٍ من المسلمين؛ حتى لو قال قائلٌ: إن ذلكَ من المعلومِ من الدين بالضرورَةِ؛ لم يكن بعيداً عن الصواب؛ كما أشرتُ إليَهِ فِي مَطْلَعِ الرسالة.
وأمّا الثانِي: وهو الذي رأيته غُفْلاً لا يكادُ يَتَنَبَّهُ له أَحَدٌ؛ فَهُوَ سنةٌ كونيةٌ قدريةٌ؛ يَتحتَّمُ علينا الجرْيُ على وَفْقِها والأخذُ بِها؛ وهي التي نحتاجُ إلى الوُقُوفِ عندها؛ وعَرْضِ أعْمالِنا عَلَيْها، إذْ كلُّ ما خَرَجَ في هذا الكَوْنِ عن سُنَنِ اللهِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ فَهُوَ آيِلٌ إلى الفَشَلِ حاكِمٌ على نَفْسِهٍ بالفَناءِ ولا بَدَّ، فاحْفَظْ هذا.
وَلْيُعْلَمْ أولاً أنَّ من أعظمِ هذه السنَنِ هيَ المدلولَ عليها بِقول الله تعالى: {وَخَلَقْنَاكُمْ أَطْوَاراً}؛ وبقولِهِ تَعالَى: إنَّ سعْيَكُمْ لَشتّى}؛ وقَولِهِ: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا}، وغَيْرِها مِنَ الآيات؛ ومعنى ذلك أنّ الله تَعالَى جَعَلَ الناسَ على مراتِبَ مُتَفَاوِتَةٍ؛ وقَسَمَ بَيْنَهُمُ العلومَ والعُقولَ والمعارفَ والمواهبَ والمهارَاتِ؛ كما قَسَمَ بَيْنَهُم الأرزاقَ؛ ولا فَرْقَ!؛ فعالِمٌ وجَاهِلٌ؛ وذَكِيٌّ ودُونَهُ؛ وأَمِيرٌ ومَأْمُورٌ؛ وسيِّدٌ ومَسُودٌ؛ وغَنِيٌّ وفَقِيرٌ؛ وصانِعٌ وأَخْرَقٌ؛ وكَاسِبٌ وكاسِد؛ٌ ونحوُ هذا.
روى الطبريُّ عن قتادَة: أنَهُ قَسمَ بَيْنَهُمْ مَعايِشَهُم كَما قسمَ بينهُمْ صُوَرَهُمْ وأخلاقَهمْ تَبَارَكَ ربنا وتَعَالَى.
وعنه أيضا: فمن فاضِلٍ ومُفْضُولٍ ورَئِيسٍ ومَرْءُوسٍ.
وزادَ ابنُ كثير: والمحاسِنَ والمساوِيَ، والمناظِرَ والأشْكالَ والألْوانَ.
وقال البَيْضاوي: ليَسْتَعْمِلَ بعضَهُمْ بعضاً في حَوَائِجِهِمْ فَيَحْصُلَ بَيْنَهُمْ تآلُفٌ وتضامٌّ يَنْتَظِمُ بذلكَ نِظَامُ العالَم.
وقال النيسابورِيُّ: واللامُ لامُ العاقبةِ؛ فإنَّ الإنسانَ خُلِقَ مَدَنِياً بالطَّبْعِ.
و فِي أضْواءِ البيَانِ أنَّ الآيَةَ ومَثيلاتٍ لها دَلَّتْ على أنّ تَفَاوُتَ الناسِ في الأرْزَاقِ والحُظُوظِ سنةٌ مِنْ سُنَنِ اللهِ السمَاِويَّةِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ؛ لا يستطيعُ أحدٌ مِن أهلِ الأرض البتةَ تَبْدِيلَها ولا تحويلَها بوجْهٍ من الوُجُوهِ.
وفي ظلالٍ القرْآنِ في هذا الموْضِعِ كلامٌ حسَنٌ فارجِعْ إلَيْهِ إن شئتَ إليه.
وإذا عَلِمْتَ هذا فاعْلَمْ أنَّ العَمَلَ عَلَى وَفْقِ هذهِ السنَّةِ بإنزالِ كلٍّ منْ هؤلاءِ مَنْزِلتَه؛ وَوَضْعِهِ في القَدْرِ الذي وَضَعَهُ الله فيه؛ فلا يُرْفع فَوْقَ مَكانَتِهِ ولا يُحَطُّ عن مَرْتَبَتِهِ، وذلكَ يَسْتَلْزِمُ في سِياسَةِ الناسِ أمورا:
أن يُوكلَ إلى كلٍّ من العملِ ما يَلِيقُ بهِ وهوَ أهْلٌ له؛ وذلكَ مِنْ مَطالِبِ الشرْعِ المُطَهّر؛ عَلَى الوَجْهِ الذي تتحقَّقُ به مصلحةُ الأمةِ كافةً؛ وذلك باسْتِفْراغِ الانتفاعِ بما أَوْدَعَهُ اللهُ فِيهِ مِنَ المواهِبِ ما كانَ ذلكَ مُمْكِناً ؛ حيثُ يكونُ تعطيلُ الفردِ عن القيامِ بِها تعطيلاً لمصَالِحِ المسلمين؛ ولو كانَ ذلك بِشغْلهِ في مَصْلَحةٍ أخرى؛ لكنَّها متى قُورِنَتْ بما يستطيعُ أداءَهُ والقيامَ بهِ كانتْ عدماً أو كالعَدَمِ؛ وذلك كمنْ يأمرُ أستاذا جامعياً متخَصصاً في طبِّ الجراحَةِ مثلاً أن يُدَرِّسَ عِلْمَ الأحياءِ للصفوفِ الابتدائيةِ!.
فمثلُ هذا مهما ذُكِرَتْ له من الأسبابِ والتبْرِيراتِ تعطيلٌ لِمَصْلَحَةٍٍ كُبْرَى؛ ومجلبةٌ للمُنافَرةِ والمصادَمَةِ بين الآمِرِ والطبيبِ المذكُورِ!؛ فلو أن الطبيبَ امتنعَ حينئِذٍ عَنِ العَملِ؛ أو خالفَ الآمِرَ لم يَكُنْ مَلُوماً؛ حتى ولو عارَضَهُ الآمَرُ بأن الواجبَ عليه التزامُ الامْتَثالِ لأًمْرِهِ؛ كما يقالُ كثيراً في مِثْلِ هذه المواطِنِ!.
وأمَّا الاحْتِجاجُ بِفِعْلِ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ معَ أبي ذرِّ لَمَّا أمَرَهُ بِسُكْنَى الربَذَةِ؛ وبِما يَجِبُ للأَمِيرِ منَ السمْعِ والطاعَةِ؛ وبأنَّ الأُمراءَ أقْومُ بِتَقْديرِ المصالِحِ؛ فذلك مُفْتَرَضٌ في إمامٍ تَجْتَمِعُ علَيْهِ كَلِمَةُ الأمَّةِ أولاً، و قِوامَتُهُ بِتَقدِيرِ المَصالِحِ تَرْجِعُ إلى تَمَكُّنِهِ منَ الاجِتِهادِ وبُلُوغِهِ رُتِبَتَهُ ثانياً، لا فِي أميرٍ غايَتُهُ أَنْ يكُونَ أميرَ سَريَّةٍ أو أميرَ جُنْدٍ؛ ولمْ يَقَعِ اتفاقٌ مِنَ الأمةِ عَلَيْهِ، ولا هُوَ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلى الفِقْهِ والعِلْمِ فَضلا عن الاجْتِهاد ومَنْزِلَتِهِ؛ ولِذا صِرْنا بَعْدَ البَحْثِ والنظَرِ إلى القَوْلِ بأنَّ الشورَى واجِبَةٌ على الأميرِ مُلْزِمَةٌ له؛ كما نُفَصِّلهُ في غيرِ هذا الموضعِ إن شاءَ الله؛ لأنَّ ذلكَ أنفَى للتُّهَمَةِ؛ وأبْعَدُ عَنِ الافْتِئاتِ علَى الأمَّةِ؛ وأرْعَى للَمَصْلَحَةِ؛ وغيرِ ذلكَ من الوُجُوهِ المُعْتَبَرة، ثمّ لا يَغِيبَنَّ عَنْ البالِ أنَّ مَقْصودَ الإمارةِ حصُولُ الشوكة؛ وذلك لا يتِمُّ إلا بالقهرِ والغَلَبَةِ؛ أو دُخُولِ الناسِ في طاعَةِ الآمر، والأولُ غَيرُ حاصِلٍ لأمراءِ الجهادِ؛ فلَيسَ إلا الثاني؛ ولا سَبِيلَ إليهِ إلا بِحُسْنِ الفقْهِ في سِياسَةِ الناسِ؛ ومُراعاةِ سُنَنِ اللهِ تعالَى في الكَوْنِ والحَياة.
وهكَذَا هُنا؛ فِي كُلِّ ما يَمُرُّ بالأمَّةِ مِن الأحوالِ وما تَقُومُ بهِ من الأعْمال؛ لا بُدُّ من مُراعاةِ هذا!؛ واعْتِبارِ فَضْلِ ذَوي الفضل مِنْ أَهْل العِلْمِ وأساطينِ الحلِّ والعَقْد، وهُمْ كَثِيرٌ فِي الأمَّةِ بِحَمْدِ الله؛ وإلا كانَ تَجاوُزُهُم من العُدْوانِ على حُقُوقِهِمْ المعْنَوِيَّةِ؛ وكَيْفَ يَستَقِيمُ القِيامُ بِمصالِحِ الأمَّةِ مَعَ إهْمالِ آرائهم؛ وعدمِ مراعاةِ ما أمرَ الله تعالى بمراعاتِهِ في حقهم؛ فلا اعتبارَ لِعِلْمٍ؛ ولا لقِدَمِ هجرةٍ ولا سابِقةِ سن؛ معَ أن هذه الأَوصافَ مجتمعةٌ مَوفورةٌ أو أكثرُها في كثيرٍ من هؤلاء؛ وقد جَعَلها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من مُوجِبِاتِ التَّقَدُّمِ في إمامةِ الصلاةِ؛ فلأن تَكونَ من مُوجباتِ التقدمِ في غيرِ الصلاة من بابِ أولى.
أقولُ: وهَلْ مِنْ مُناقضةٍ للسنَّةِ الكونِيَّةِ القدَرِيَّةِ في الاجتماعِ أعظمُ من هذا؟!؛ بل ينبَغي أن يكون العلمُ والسنُّ والخبرةُ موجباً للتقدمِ ومزيدِ الفضل؛ ومن قواعدِ السياسةِ الشرعية العمليةِ إشعارُ صاحِبِ الفضلِ بالحاجة إليه؛ حتى وإن لم تكن هناكَ حاجةٌ تنزلا!؛ لأنها لا يمكنُ في الأعمال الأممية التي تنهضُ بِها الأممُ والدول أن يُستغنى عن رأيِ ذي رأيٍ أو فَضْلِ ذِي فَضْلٍ؛ بل نحنُ نرى الأمَمَ والدولَ تشتَرى آراءَ الرجالِ بنفائسِ الأَمْوال؛ نعم؛ وقد قال عبدُ الحميد الكاتبُ الأُمَوِيُّ المشهورُ رحمه الله يُوصِي أصحابَه في وزارة دِيوان الإنشاء فيقول: وإن أقعدَ أحداً منكمُ الكِبَرُ عن مَكْسَبهِ ولِقَاءِ إخوانِهِ فَزُورُوهُ وعَظِّمُوهُ وشَاوِرُوهُ؛ واسْتَظْهِرُوا بِفَضْلِ تَجْرِبَتهِ وقَدِيم مَعْرِفَتِهِ؛ وليكنِ الرجُلُ منكم علَى من اصْطَنَعَهُ واسْتَظْهَرَ بِهِ لِيَوْمِ حاجَتِهِ أَحْوَطَ منه علَى وَلَدِهِ وأَخِيهِ. انتهى.
وزِدْ علَى هذَا أنّ المَسْلَكَ المَذْكُورَ فِيهِ جِنَايَةٌ عَلى حقِّ اللهِ وحقِّ المسلمينَ بِتَعطيلِ مَصَالحِ الدينِ والشرعِ ومَنْعِ المحتَاجِ إلى العِلْمِ والمَنْفَعَةِ مِنْهما؛ وَعَلَى من تولاهُ أنْ يُعِدَّ لهُ بينَ يَدِيِ اللهِ تَعَالَى جَوَاباً؛ عَلَى أَنَّنِي أُذَكِّرُ بِدُخُولِ مِثْلِ هَذَا فِي عُمُومِ قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
ويَلْحَقُ بِهذا ما يَقَعُ منَ المُعاقَبَةِ بالمنعِ مِنَ العَمَلِ ولَوْ لأجلٍ محدُودٍ فإِنَّهُ خطأٌ محضٌ؛ إذ فيه جنايَةٌ على مصالحِ المسلمين؛ وليسَ تَعْطِيلاً للعامِلِ فَحَسْبُ؛ ولا تَجُوزُ عُقوبَةُ الفردِ بما يعودُ ضرُرُهُ على المجمُوعِ؛ ولأَنَّ مِثْلَ هذا النَّوْعِ منَ العُقُوبَاتِ المعمولِ بِها لا يَسْلَمُ مِن شَائبةِ الُميُولِ النَّفْسِيَّةِ.
لا يُقالُ هذا مِنْ قَبيلِ الزجْرِ بالهَجْرِ؛ فهُوَ بابٌ آخَرُ؛ إذْ لا يَلْزَمُ مِنَ العُقُوبَةِ بالهِجْرِ عَزْلُ العامِل؛ خاصَّةً مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وحَديثُ الثلاثَةِ الذينَ خُلِّفُوا دَليلٌ لهذا، كَما لا يُقالُ أيْضاً هوَ مِنْ ضُرُوبِ العَزْلِ لغَيْرِ الكُفْؤِ أو عَزِلِ مَن اتُّهِمَ بِرِيبَةٍ أو خِيانَةٍ؛ فالحديثُ ليسَ عَنْه.
وبالخُرُوجِ عَنْ هذه القاعِدَةِ وأمْثالِها مِنْ قَواعِدِ البِناءِ تُهزمُ الأممُ؛ وتُفَرَّقُ الجمَاعَاتُ؛ ويُقضى على الدول!؛ وهو عينُ الْمُصَادَمَةِِ لما أشرنا إليه من السنةِ الكونِيَّةِ فِي هذا؛ ولو أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما جاءه خالدُ بنُ الوليد رضيَ الله عنه مسلماً لَمْ يَرْعَ ما جَبَلَهُ الله عليه من القِيادَةِ والمنْزِلَةِ والإمرةِ؛ لكانَ ذلكَ مِن دَواعِي نُفُورِهِ منَ الدين؛ ولو أنه لما قالَ له العباسُ: إن أبا سفيانَ رجلٌ يحب الفخرَ فاجعلْ له شيئاً، قال له: ما أبو سفيانَ وأدنى الْمُسلمين إلا شيئاً واحداً؛ لكانَ ذلك سبباً مُنَافِياً لما أُمِرَ به مِن تأليفِ قلوبِهم على الإسلام؛ وقد أمرَ النبي صلى الله عليه وسلم بإنزالِ الناس منازِلَهم؛ ومعرفة أقدارهم؛ وأَمَرَ بإجازةِ الوَفْدِ بِنَحْوِ ما كانَ يُجيزُهم؛ و كان يُقَدِّمُ كبيرَهم في الصلاة والكلام؛ ويُجلسُهم في المجالس على قدْرِ أَقْدَارِهِمْ؛ وغيرِ ذلك مما يُعرفُ من هَدِيِهِ صلى الله عليه وسلم.
وهكذا كانَ هَدْيُ خُلَفَائهِ وأصحابهِ من بعده رضيَ الله عَنْهُم؛ في مُشَاوَرَةِ أكابِرِهِم؛ ومَعْرِفَةِ الفضلِ لذَوِي الفضل؛ وتقديمِ من يستحقُّ التقدِيمَ منهم؛ وقد قالَ عمرُ رضيَ الله عنه لما رأى عمروَ بَن العاص ماشياً في بعضِ طُرُقِ المدينةِ: ما كانَ لأبي عبدِ الله أن يمشيَ على الأرض إلا أميرا!؛ وفي كتب السير والتراجمِ وكتب الفتوحِ كفتوحِ الشام والعراقِ وغيرها من التطبيقات العمليةِ لهذه السياسةِ الشرعيةِ الشيءُ الكثير.
ومما يستلزمه الجريُ مع السنة الكونيةِ المشارِ إليها من قواعدِ السياسةِ الشرعيةِ مراعاةُ حاجاتِ الناسِ بِحَسْبِ أقدارهم؛ وعلى قدرِ ما تنهضُ به مصالِحُ الإسلامِ والمسلمين؛ فإن الله تعالى جعل الناسَ في المعايِشِ والأرزاق على مراتبَ متفاوتة؛ وسواءٌ كان ذلكَ فيما يَتَعَلَّقُ بالفرد؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُجِيزُ الوفودَ؛ فكان يُعطي كُلاًّ على قدْرهِ؛ يراعي بذلك سَوَابِقَهُم وما اعتادُوهُ وأَلِفُوهُ؛ فليسَ مقدَّمُ القومِ كعامتهم؛ ولا من ألفَ حياةَ السعةِ والنعيم؛ كمن نشأَ على الكفافِ وما يَسُدُّ حاجَتَهُ؛ وقد كتبَ عمرُ رضيَ الله عنه إلى أبي عبيدة كتاباً ذكره الواقدي في فتوح الشام (305) يُوصِيهِ فيه بصاحبِ رُوِميةَ فيقول: وما تحتاجُ أنْ أُوصِيَكَ فِي أَمْرِ صاحبِ روميةَ؛ أَوْسِعْ عليهِ في النَّفَقَةِ وعلى مَنْ مَعَهُ؛ فإنه قد فارقَ أهلَه ومُلْكَهُ ونَهْيَهُ؛ والسلام.
نعمْ هذا في تأليفِ قلبِ حديث العهدِ بالإسلام؛ لكن حيثُ كانَ المقتضي قائماً فالحكمُ واحدٌ ولا يختصُّ بحداثَةِ العهدِ؛ ولأجل هذا المعنى جعلَ بعضُ العلماءَ التساويَ بينَ الزوجينِ في الإنفاقِ من الكفاءةِ في النكاحِ؛ فليس الفقيرُ كفئاً لغنيةٍ؛ والله أعلم.
وأما مراعاةُ الحاجاتِ بحسبِ مَنْفَعَةِ المسلمين وبِما يقومُ بمصالحهم فواجبٌ ولا بد؛ نعم؛ ومن يقومٌ بشيءٍ من مصالحِ المسلمين فنفقةُ تلك المصلحةِ على بيتِ مال المسلمين؛ فإن لم يكن للمسلمين بيتُ مالٍ وجبَ على المسلمين أن يجمعوا من المال ما يقومُ بالمصلحة المذكورة؛ كذا في تَنْقِيحِ الحامِدِيَّةِ من فتاوي الحنفيةِ؛ وقريبٌ منه في فتاوِِي عُلَماءِ المالكيةِ؛ وغيرِهِمْ؛ رحم الله الجميع.
نعم؛ والمعتبرُ في ذلك القيامُ بمصالحِ المسلمين وحدَهُ دونَ غيرهِ؛ وذلكَ من العَدْلِ الذي أمرَ اللهُ تعالى بهِ في قِسْمَةِ الأموال؛ وذلكَ من أصول السياسة الشرعية؛ كما ذكرَ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ الله.
وأنبه هنا إلى أن علماءَنا رحمهم الله قد ذكرُوا أن مِن أصولِ سياسةِ الرعيةِ الجودَ في مَوْضِعِ الجود؛ حتى جرى مَجْرى القواعدِ قولُهم: من جادَ ساد؛ ومن سادَ قاد؛ ومن قادَ مَلَكَ البلاد؛ أما التقتيرُ في الإنفاقِ والتضييقُ علَى الناسِ بهِ والتحكمُ بحاجاتهم لأجلِ كَسْبِ مُتَابَعتِهم ومُنَاصَرتِهم؛ تحتَ شعارِ: من يملكُ الدينارُ يملكُ القرارَ؛ فسنةٌ كِسْرَوِيَّةٌ هِرَقْلِيَّةٌ؛ لا تُبنى بها أمَّةٌ ولا تَستقيم عليها مِلّة؛ ولا هِيَ منْ هَدْيِ رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي كانَ يقولُ: أَنْفِقْ بلالُ ولا تخشَ من ذي العرشِ إقلالا.
وقد عهدنا هذه النحلةَ المخترعةَ الْمُبْتَدَعَةَ يُلَوَّحُ بِها كلما خالفَ التابعُ المتبوعَ!؛ فانظرْ كيفَ تُعَطلُ مصالِحُ المسلمينَ بمثلِ هذه الحيلةِ؛ ظناً من القائلِ بأنها سببٌ لجمع الكلمة؛ وهي من مَدَاخِلِ الشيطانِ لتفريقِ كلمةِ المسلمين؛ لكن غفلتَنا عن الاعِتِبَارِ بِتَاريخنا؛ وإهمالَنا لحاضِرِنَا من أعظم مصائبنا؛ وإنما الهُدى هُدَى الله؛ والله المستعان.
ومن السنن الكونيةِ القدريةِ الْمُهْمَلَةِ وهِيَ مَنْ أَعْظَمِ أسبابِ جَمْعِ الكَلِمَةِ مع تَعَيُّنِ الأخْذِ بِها؛ سُنَّةُ التوصُّلِ إلى إِقامَةِ الأمةِ والدَّوْلَةِ بمَجموعِ ما أَوْدَعَهُ الله في المسلمينَ من المواهب؛ فإن المشاريعَ الأُمَمِيَّةَ كما يقولُ علماءُ السياسةِ وخُبَراءُ الفن لا تقومُ إلا بِخُلاصَةِ أعْمَالِ الْمَجْمُوعِ؛ ومن النتائجِ ما يَنْبَنِي على سَبَبٍ واحدٍ كالشَّبَعِ مَعَ الأكْلِ؛ ومنها ما يَنْبني على جُمْلَةٍ من الأسبابِ مُجْتَمِعَةً؛ كإقامَةِ الدَّوْلَةِ وبِناءِ الأمةِ لا يَكُونُ إلا بِجُمْلَةِ من الأسبابِ يَتَعَيَّنُ الأخذُ بها.
وإنَّما الشأنُ فِي سِيَاسَةِ الأُمَّةِ حِينَئِذٍ كَشَأْنِ من يَجْمَعُ قَطَرَاتِ المطَر حَتّى يكونَ مِنْها سَيْلٌ عظيمُ يَنْفَعُ الناسَ؛ فليسَ يُستَغني عن قَطْرَةٍ منه؛ وقولُ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أمَّتِي كالغَيث؛ يَصْلُحُ دَليلاً لهذا المعنى!!.
وأعظمُ الأسباب بعدَ الإيمانِ بالله تعالى والتمسكِ بِهَدْيِ كِتَابِهِ تَضَافُرُ ثَمَراتِ العُقُولِ وتَلاقُحُ نَتَائجِ الأفكار؛ فإنّها التي شرّف الله تعالى بها الإنسانَ على سائِرِ المخلوقات؛ وهي مَحَلُّ التنافُسِ بين الأمم؛ وكما نَحْتاجُ إلى تَضافُرِها نَحْتَاجُ إلى أن نَتَعَلَّمَ كيفَ نَسْتَفِيدُ منها؛ فكما أنَّ الفرْدَ يكونُ سليمَ العَقْلِ سليمَ التفكيرِ إذا فَكَّرَ بمجموع عقلِه؛ فكذلك القائمُ على سياسَةِ الناس يحتاجُ إلى التفكيرِ بِمَجْمُوع ما لَدَيْهِ من العُقُول؛ فإذا عَطَّل بعضَها أو أهملَ بعضَها كان كمنْ فكّر بِبَعْضِ عقْلهِ أو عطّل بعضَه؛ وذلك نوعٌ من العَتَهِ أو ضربٌ من الجنون.
ولذا كان من قواعدِ السياسةِ وأصول البناءِ قولهم: (إذا أردتَ لأمة أن تنهضَ فعلمها كيفَ تفكر)؛ وهذا صحيحٌ في نفس الأمر؛ حتى إن هذه القاعدةَ كانت سببَ خُرُوجِ أُورُوبّا من العصور الوُسْطى المظلمةِ وانتقالِها إلى عُصُور النهضةِ الحديثَةِ؛ وقد قرأتُ أنها كانت الأساسَ التي اعْتَمَدَهُ (مارتن لوثر) زعيمُ النهضَةِ الأوربيةِ الحديثَةِ في إيقاظِ الشعوب الأوروبيةِ وخروجِها من تلك العُصُور.
وليست هذه القاعدةُ خارجةً عَنْ الشَّرْع؛ بل هِيَ من السياسة الشرعِية لأنها تَجْري وَفْقَ قَوَاعِدِ الشرْع ومَقَاصِدِهِ؛ كما يُفْهَمُ مِنْ كَلامِ ابنِ عَقيلٍ الحنبلِيِّ رحمه اللهُ فِي تَعْرِيفِ السياسَةِ الشرعِيةِ؛ والذي نَقَلَهُ عنهُ ابنُ القيمِ رَحِمَهُ الله.
وفرقٌ بين التفكيرِ وكَيْفِيَّةِ التفْكِير؛ فأما كيفَ تُفَكِّرُ الأمةُ؛ فمعنَاه الذي نُريدُهُ هنا اجْتِمَاعُ عُقُولِ أصْحابِ الغُقُولِ على بلوغِ أعلى النتائجِ والثمَارِ منْ أيْسَرِ الطرُقِ وبأقلِّ التكالِيف. وقد قرأْتُ مِثَالاً لهذا كَتَبَهُ بَعْضُ الباحِثِينَ؛ ذكرَ فيهِ أنَّ إحدى شَرِكَاتِ السِّياحةِ في كندا كانتْ تَمْتَلِكُ فُنْدُقاً مشهوراً إلا أنه قديمُ البناءِ؛ فلما بُنِيَتْ بجانِبِهِ الفنادقُ الجديدةُ؛ قلَّ إقبالُ النُّزلاءِ عَلَيْهِ لا بِسَبَبِ الأثاثِ والخِدْمَةِ فإنَّهُ كانَ أحْسَنَ منْ غَيْرِهِ في هذا؛ بل بسببِ بُطْءِ المصاعدِ المُستخْدَمةِ فيه لِقِدَمِها؛ حيثُ يَضْطَرُّ النزيلُ إلى قَضَاءِ دقائقَ طويلةٍ في انتظار الْمَصْعَد؛ بينما نَزَلاءُ الفنادِقِ الأُخْرَى لا يَحْتاجُونَ لذلكَ لسُرعة المصاعِدِ الحديثَةِ المستخْدَمَةِ هناكَ؛ ولذلك طَرَحَتِ الشركةُ مُنَاقَصَةً لِحَلِّ هذِهِ المشْكِلَةِ؛ فتقدّمَتْ شركاتُ الْمُقاوَلات بِحُلُول يتكلَّفُ أقلُّها مَلايينَ الدُّولارَاتِ؛ بينما فازَ بالمَشْرُوعِ مُديرُ إحدى الشركاتِ؛ حيث قدَّمَ حَلاًّ للمُشْكِلَةِ لا يكلفُ أكثرَ من خَمْسَةِ آلافِ دُولار؛ وتَمَثَّلَ الحلُّ في أن تَضَعَ شَرِكَةُ الفُنْدُقِ أمامَ كلِّ مصعدٍ مرآةً كبيرةً فاخِرَةً بِطُولِ بابِ المصعد؛ حيثُ يَنْشَغِلُ النزيلُ عند طَلَبِ المصعدِ بالنظرِ إلى المرآة وإصْلاحِ هَيْئَتِهِ ومَنْظَرِهِ؛ وقدْ نَجَحَ الحلُّ؛ حتى انعدَمَتْ شكوى النُّزلاء؛ وعادَ الإقبالُ عّلَيْهِ كما كان!.
ونحن بأشد الحاجةِ إلى مثل هذا في تكاتُفِ الجهودِ والتقاءِ ثَمَراتِ الأَعْمال؛ على أننا نُنَبِّهُ على أمرٍ مُهم؛ وهو أن الاستفادةَ من ثِمَارِ العُقُولِ ليس معناه أن يُفكرَ الجميعُ بعقلِ واحدٍ؛ أعني بعقل رَجُلٍ واحِدٍ عَلى طَريقَةِ المُقَلِّدَة؛ كما يُرَى وَيُشاهَدُ كثيراً!؛ حتى إن القَدْرَ الذي يُسْمَحُ به من الْمُوَافَقَةِ والمُخالفَةِ هو ما يَجْري في الحدودِ المرسومةِ التي تخدمُ فكرةَ العقلِ المذكور!؛ بل المطلوبُ أن يكونَ التفكيرُ بعقلٍ واحِدٍ؛ ومعناه أن يُطْلَقَ العِنَانُ لأَهْلِ الرأْيِ وأَصْحَابِ المواهِبِ وَالعُقُولِ دونَ قيد ولا شرطٍ سوى الالتزامِ بشَرْعِ الله تعالى وآدابِه؛ ثم العملُ على اسْتِخْلاصِ النتائجِ بالنظر في مَوَاضِعِ الالتِقَاءِ والافتراقِ وأُصُولِ المصالِحِ والمفاسِدِ وضَوَابِطِها.
وأزيد على هذا ما يلي: إن تقاربَ الزمان والمكانِ على وجهٍ لم يُعْهَدْ له مثيلٌ من قبلُ قد اسْتَوْجَبَ بينَ الأممِ مواطنَ كثيرةً من الالتقاءِ والافتراقِ تتباينُ فيها المصالح أحياناً وتتقاطع أحياناً؛ وليسَ يمكنُ إدراكُ الكثيرِ من هذه المصالح على وَجهٍ يَكُونُ النَّفْعُ فِيهِ لأهْلِ الإسلامِ ويُفَوِّتُ على العَدُوِّ اسْتِغْلالَها؛ إلا بالاستفادةِ من كافَّةِ العلُومِ والمعَارِفِ والمهاراتِ؛ ومن المقْطُوعِ به أن الفرْدَ الواحدَ من المسلمين لا يُمكنه الإحاطةُ بكافةِ هذه العلوم التي تُدْرَكُ بِها المصالحُ؛ ولما كانَ تصرفُ المتولي منوطاً بِمَصْلَحَةِ الأمةِ؛ وهو منها بِمَنْزِلَةِ الوكيلِ من الموكِّل كما صرّح به الأئمةُ في الأحكامِ السلطانية رحمهم الله؛ حتى إن تصرُّفَهُ لا ينفُذُ متى كان خلافَ المصلحةِ كما تّقَرَّرَ في قَواعِدِ مَجَلَّةِ الأحكَاِم وغَيْرِها؛ تعينَ على المتولي تعيناً شرعياً أن يرجعَ في كل ما يَصْدُرُ عنه مِن قَرَارَاتٍ إلى أهلٍ الخبرةِ والاختصاصِ في كافّةِ المعارفِ والعُلُوم الْمُتاحَةِ لَدَيْه؛ ولا يصدرُ في أمرٍ يتعلقُ بِمَصَالِحِ المسلمين إلا عنْ رَأْيِهِمْ ونَظَرِهِمْ؛ يَسْتَوِي فِي ذلك الْمُتَوَلِّي العامُّ أو منْ هُو دُونَه.
ومِنْ ثَمَّ فَما لَم نَعِ ذلكَ علَى وجْهِهِ؛ بَقِينا فِي وَضْعٍ يَسْهُلُ معهُ تَوْظِيفُ جُهُودِنا واسْتِخْدَامُها لمصالحَ نَحْسَبُ أننا المستَفِيدُونَ منها؛ في حينِ أن الفائدةَ لغيرِنا؛ ولنا الفُتات!!.
ولا يُشترطُ في المتولي ليرجِعَ إلى أهلِ الاخَتِصاصاتِ أن يكونَ عالماً بِكُّلِّ تلكَ الاخْتِصاصاتِِ ولا مُطّلِعاً على تَفاصِيلِها؛ بلْ يَكْفِيهِ العلْمُ بوُجُودِ رابطةٍ بينها؛ وأنَّ بَعْضَها يَخْدِمُ بَعْضاً.
ولا يَزَالُ هَذا الذي أشَرْنا إليهِ مُهْمَلاً عِنْدَ كثيرين!؛ بلْ ويَرَوْنَهُ من الطُّرَفِِ التي يُتندرُ بها؛ وما زالَ عدُوُّنَا يَلِجُ إِلَيْنَا مِنْ هذه الثَّغَرَاتِ من حَيْثُ لا نَشْعُرَ؛ لأننا بِما نَحْتاجُ إلَيْهِ مِنْ تِلكَ العُلُومِ والمَعارِفِ جاهُلُونَ؛ وعنها مُعْرِضُونَ؛ وغايةُ فَقِيهِنَا أنْ يظنَّ أنّ الاشتِغالَ بِمِثْلِ هذهِ الفُنُونِ منَ الْمُباحاتِ؛ أو الْمُسْتَحَبَّاتِ؛ فإنْ وُجِدَتْ فحَسَنٌ وإلاَّ فَلا ضَيْرَ؛ مع أن عدوَّنا اليوم قدْ عدّدَ جوانبَ المعركةِ؛ سياسياً وإعلامِياً وثَقافِياً واقْتِصادِياً واجْتِماعِياً؛ وإنا لله وإنا إليه راجعون.
فكيفَ يمكنُ في مِثْلِ هذهِ الصُّوَرِ ومَثِيلاتٍ لَها لا حَصْرَ لَهُنَّ في واقِعِنَا المعاصِرِ؛ أن نُواجِهَ عدونا؛ وأن نُقَدِّرَ مَوْضِعَ مصلحتنا دونُ الاطلاعِ على السياسَةِ المحليةِ والإقليمية والدَّوْلية؛ وبل وعلى وَضْعِ الاقِتِصَادِ العالَمِيِّ؛ ومَوَاطِنِ قوَّتِهِ وثَغَرَاتِ ضَعْفِهِ؛ وهل يستطيعٌ رجُلٌ واحِدٌ أن يَسْتَقِلَّ بإدْرَاكِ هذه المصالِح وحدَه!؛ ودُونَ الرُّجُوعِ إلى أَهْلِ الاختصَاِص في كافَّةِ المجالاتِ والمعارِفِ؟!.
فَمَنْ أعْرَضَ عن هذا كُلِّهِ ورأى الدَّعْوَةَ إلى جَمْعِ الكَلِمَةِ لا تَؤتِي ثِمارَها؛ فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ، لأنَّهُ أعْرَضَ عنْ سنَّةٍ اللهِ الكَوِنِيَّةِ في البابِ، وإنما مَثَلُ السنَةِ الشرْعِيةِ مع الكَونِيَّةِ في بابِ الاجِتِماعِ كَمَثَلِ القاطِرَةِ لا تَسيرُ إلا بأمْرَينِ؛ بالوَقُودِ الدافِعِ وقُضْبانِ سِكَّةِ الحديد، فَما يُرَدِّدُهُ الناسُ في الدعْوَةِ إلى الاجِتِماعِ مِنْ المحبَّةِ بَيْنَ المؤمِنينَ وخفْضِ الجناحِ لهم وما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التآلفِ والتناصُر هو الوَقُودُ الدافِعُ وذلك صحيحٌ لا رَيْبَ فيه، وما نَبْحَثُ فِيهِ هنا هَوَ قُضْبانُ القاطِرَةِ وليْسَتْ تَسيرُ إلا بِهِما مَعا.
ويمكنُ أن يُجْعَلَ هذا مِنْ بابِ ما دَعا إليهِ بَعْضُ العلَماءِ المعاصِرِينَ من فَتْحِ بابِ الاجتهادِ الجماعِيِّ؛ لمواجَهَةِ ما يَسْتَجِدُ من الحوادِثِ والنوازِل الْمُعاصِرَةِ؛ خاصّةً مع كَثْرَتِها كثرةً تَخْرُجُ عن حَدِّ القُّدْرّةِ على الاجتهادِ الفَرْدِيِّ كما كانَ يِضْطَلِعُ بذلكَ الأئمةُ المجتهدون رحمهم الله.
ونحن لو تأملنا حال عدوناَ وجدْناهُ يَسْلُكُ هذا المسلَكَ في قراراتِهِ؛ السياسيِّ منها والعسكريِّ والإعلامِيِّ وغيرِ ذلك؛ فإنه يبني قراراتِهِ تلك على مُؤَسَّسَاتٍ خُصِّصَتْ لمثل هذه الْمُهِمَّاتِ؛ و لَيْسَتْ المُؤَسساتُ مَقْصُودَةً لِذاتِها؛ بل نتحدثُ عن مَبْدَأ صياغَةِ القَرارات التي تتَعلَّقُ بالمصالِحِ العامَّةِ؛ واتِّخَاذِ المواقفِ بالتعاونِ على الوجْهِ الذي أشرنا إليه.
بل الحاصِلُ في مُقَابِلِ هذا كُلِّهِ الضِّنَّةٌ باسْتِشارَةِ أصْحابِ الرأْيِ؛ ولو كانوا مِنْ أهْلِ الحلِّ والعَقْدِ!؛ مَع أنَّ الجميعَ يَسْتَوِي في الغُرْمِ؛ وتَحَمُّلِ التَّبِعَاتِ والتكالِيفِ؛ أما الغُنْمُ فَهْبْ أنَّ الناسَ تَنازَلَتْ عنهُ؛ لكنْ لا أقلَّ من الرجُوعِ إلى رَأْيِ ذَوِي الرأيِ ومَعْرِفَةِ ذَوٍِي المعْرِفَةِ مِنَ المُؤْتَمَنِينَ عَلى مَصالِحِ الأُمَّةِ؛ بغيةَ تحقيقِ مَصالح المسلمينَ على الوجْهِ الْمَطْلوب ما أمْكن.
ومِنَ الضرُورِيِّ أن نَعْلَمَ أنَّ بناءَ العُقُولِ أهمُّ مِنْ بِنَاءِ الأجْسَاِد والْمَهَارَات؛ ولو تَكاتَفَتِ الجهودُ وتعاوَنَتْ على الوَجْهِ المطْلُوبِ لَكانَ بَيْنَ القائِمِينَ عَلَى الدعْوَةِ إلَى اللهِ وبَينَ المُجاهِدينَ في سَبيلَهِ خلالَ سَنَواتٍ مَعْدُودَةٍ كفاءاتٌ تُنًافِسُ الأمَمَ الأخْرى في كافَّةِ المجالات؛ شريطةَ الخروجِ من عِقَالاتِ القَنَاعَةِ بما نَحْنُ عليه؛ والتحَرُّرِ مِنْ قُيُودِ الإلفِ والعادة!.
ومن الدين أن يُستفادَ في هذه المعْرَكَةِ التي تَخُوضُها الأُمُّةَ ضِدَّ أعدائِها مِن الصلِيبِيينِ وجُمُوعِ المُوالِينَ لهمْ مِنْ خِبْرَةِ كلِّ ذِي خِبْرَةٍ من المسلِمِين؛ دُونَ حواجِزَ وحوائِلَ نَصْطَنِعُها؛ تُؤَدِّي إلى بَعْثَرَةِ الجهود؛ وتَضْييعِ المصالِح؛ وتجعلُنا أُضْحُوكَةً للخَلق؛ كقولِ أنْصارِ كُلِّ أمِيرٍ أَوْ قائِدٍ أو أتباعِ مَدْرَسَةٍ أو شَيخٍ: لقد صَنَعْنَا رمْزاً ولا نُرِيدُ سِواهُ؛ يخشى القائلُ أنْ يَخْرُجَ منَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْلُو على الرَّمْزِ الْمَصْنُوع!؛ وكأنَّ الأُمَمَ تُبْنَى بالرِّعاعِ والإمَّعاتِ الْهَمَل؛ الذينَ يُصَفِّقُونَ لكُلِّ ما يَرَوْنَ؛ ونَسِيَ القائِلَ تاريخنا؛ وأنَّ أُمَّتنا لا تزالُ مصنعاً لأكابرِ الرِّجال!؛ كما أُرَاهُ قد غَفِلَ عَنْ أن الطريقَ إلى الله تعالى أَوْسَعًُ مِنْ أن يَزْدَحِمَ عليه السالِكُون!.
والله تعالى قد خَلَقَ الإنسانَ عُلْويا يحبُّ الرُّقِيَّ وينساقُ إليه؛ ومِن حِكْمَتِه أن جَعَلَهُ مُنْتَصِبَ القامةِ يَخْتَلِفُ عن غيره من البهائِم لهذا المعنى؛ ومراعاةُ هذا في تطلُّع الإنسانِ إلى العِلْم والمعرفةِ والتقدم والرُّقِي في التفكيرِ والعَمَلِ واجبٌ لنُهُوضِ الأمة ورُقِيِّها؛ وهو مُوَافَقَةٌ لهذهِ السنَّةِ الكَوْنِيَّةِ في الإنْسَانِ؛ أما الْحَجْرُ على العُقُولِ والمواهِبِ لأَجْلِ شعاراتٍ واهيةٍ لا قِيمَةَ لها في الحياةِ فَضْلاً عن الدينِ والشَّرِيعَةِ فمن الرضا بالدَّنِيَّةِ والتَّبَعِيَّةِ؛ ومن احتقارِ النفس؛ وهو عين الحماقَةِ عندَ منْ يَعْقِل؛! ذلك أن المجتمعَ الإسلامِيَّ في مَجْمُوعه يُشَبَّهُ عندَ علماءِ الفنِّ بالجسَدِ الإنْسَانِي؛ كلُّ عُضْوٍ منه له مَنفعةٌ مُكَمِّلَةٌ لبَقِيَّةِ أعضاءِ الجسد؛ وهو المَعْنَى الذي أشارَ إلَيْهِ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمِ في مَثَلِ المؤْمِنينَ فِي تَوادِّهم وتَراحُمِهِم!، فتصورْ ما حالُ مَنْ يُعَطِّلُ بَعْضَ أَعْضائِهِ عنِ العَمَلِ معَ قُدْرَتِهِ على تَوْظِيفِها والاستفادَةِ منها؟!؛ وهلْ يُرَى في البشَرِ من هو أحقُّ بالمثَلِ القائلِ: أحمقُ مِن رِجْلةٍ؛ و أعيا مِن بَاقِلٍ؛ مِنَ المذكور؟!.
الأُمّةُ في هذه الأيامِ تَعِيشُ مِحْنَةً كُبْرى فِي ظلِّ هذه الأحْوالِ التي لا تَخْفَى عَلى أحد، ونَحْنُ بحاجَةٍ إلى كلِّ جُهْدٍ من الجُهودِ وإنْ قَلَّ؛ ومَنْ عَجِزَ عَنِ التلاؤُمِ والتلاحُمِ معَ القَرِيبِ فَعْجْزُهُ عَنِ البَعيدِ منْ بابِ أولَى، ولا بُدَّ لِمَنْ يَتَقدَّمُ الطَرِيقَ أنْ يَجْمَعَ بَينَ رَحابَتَيْنِ؛ رَحابَةِ الصدْرِ ورَحابَةِ العِلْمِ والعَقْلِ، وتأمَّلْ قَوْلَ النبِيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ لأصحابِهِ: إنما أنا لكُمْ بِمَنْزِلَةِ الوالِدِ أُعَلِّمُكُم، مَعَ قَوْلِ الأوزاعِيِّ أو غَيرِهِ من السلفِ: إنما السلطَانُ والِدٌ؛ كيفَ دَلَّ عَلَى كثيرٍ مِمّا نَحتاجُ إليْهِ؛ لكنَّ بَيْنَنا وبَيْنَهُ أمداً بَعِيدا!؛ ولله عاقِبَةُ الأمور.
هذا ما يسّرَ اللهُ تعالَى كِتابَتَهُ في هذا الموْضِعِ، وهو بِحاجَةٍ إلى بَسْطٍ أكثَرَ مما رَأيْتَ، وعساهُ يُسْتَدْرَكَ في مَقامٍ آخرَ إن شاءَ اللهُ، وبالله رَبِّنا العُوْنُ والتوفيقُ
.

كتبه الشيخ : أبو الوليد الغزي

 
  • صفحة 1 من%
  • 1
بحث:

Copyright MyCorp © 2026
استضافة مجانية - uCoz